الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

35

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً في سورة البقرة [ 143 ] وقوله : كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ في سورة الأنعام [ 108 ] ، فالإشارة إلى التزيين المستفاد هنا وهو تزيين إعراضهم عن دعاء اللّه في حالة الرخاء ، أي مثل هذا التزيين العجيب زين لكل مسرف عمله . والإسراف : الإفراط والإكثار في شيء غير محمود . فالمراد بالمسرفين هنا الكافرون . واختير لفظ لِلْمُسْرِفِينَ لدلالته على مبالغتهم في كفرهم ، فالتعريف في المسرفين للاستغراق ليشمل المتحدث عنهم وغيرهم . وأسند فعل التزيين إلى المجهول لأن المسلمين يعلمون أن المزين للمسرفين خواطرهم الشيطانية ، فقد أسند فعل التزيين إلى الشيطان غير مرة ، أو لأن معرفة المزين لهم غير مهمة هاهنا وإنما المهم الاعتبار والاتعاظ باستحسانهم أعمالهم الذميمة استحسانا شنيطا . والمعنى أن شأن الأعمال الذميمة القبيحة إذا تكررت من أصحابها أن تصير لهم دربة تحسن عندهم قبائحها فلا يكادون يشعرون بقبحها فكيف يقلعون عنها كما قيل : يقضى على المرء في أيام محنته * حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن [ 13 ] [ سورة يونس ( 10 ) : آية 13 ] وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ( 13 ) عاد الخطاب إلى المشركين عودا على بدئه في قوله : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ - إلى قوله - لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [ يونس : 3 - 5 ] بمناسبة التماثل بينهم وبين الأمم قبلهم في الغرور بتأخير العذاب عنهم حتى حل بهم الهلاك فجأة . وهذه الآية تهديد وموعظة بما حل بأمثالهم . والجملة معطوفة على جملة : وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ [ يونس : 11 ] بما تضمنته من الإنذار بأن الشر قد ينزل بهم ولكن عذاب اللّه غير معجل ، فضرب لهم مثلا بما نزل بالأمم من قبلهم فقضى إليهم بالعذاب أجلهم وقد كانوا يعرفون أمما منهم أصابهم الاستيصال مثل عاد وثمود وقوم نوح . ولتوكيد التهديد والوعيد أكدت الجملة بلام القسم وقد التي للتحقيق . والإهلاك : الاستيصال والإفناء .